الجمعة، 18 مارس 2016

ممتنة لقدميّ !








في الزلازل والكوارث الأرضية تعلمتُ أن أحب قدماي !
أن أعتز بهما
أن أكللهما بالورد , والضوء الذي لا ينطفئ
في الانكسارات الأخيرة
كان لهما الفضل في أن أبقى واقفة حتى اللحظة
أبقى واقفة وما أزال
أتفرج على العالم من الخارج وهو يتحطم
مثل مدينة صخرية
ينسكب على الناس كما في إبريق شفاف
أبقى واقفة وما أزال ...
على الرغم من هشاشة عظامي
وليونة أطرافي
أسعفتني قدماي
في سقوط الأشياء من حولي
في معاركي التي خضتها مع الحياة
عندما شارفت على السقوط ككل الأشياء من حافة الهاوية
أسعفتني قدماي
..
تدفق فوق أيامي طوفان كطوفان نوح
تلاشوا الأصدقاء من حولي  كغيمة كادت أن تمطر
لكنها لم تفعل
كادت الحياة ترغمني أن أكون سمكة
أن أكون شراع مركب صغير
رسالة في زجاجة منسية تترنح فوق الأمواج
كطائر ينازع الحياة
كادت الحياة ترغمني على الغرق
عندها قررت قدماي النهوض
خلعت السمكة حراشفها
واختارت أن تكون قرشا قبل أن تُؤكل كبقية الأسماك
أن تكون سفينة .. لا شراع
أن تسير فوق الطوفان قبل أن يسير فوقها
هذه أنا ..
أتكئ على قدماي
اللتين مهما أُنهكتا من السير الطويل
تأخذان نفحة من الفجر
الذي لابد أن يعود
تأخذان متسع من الأمل لتقاوما الحياة
أخافُ أن يبترهما من جسدي مرض سقوط عضال
منحدر عند حافة الأحلام
من شدة ما اتكأت
أخافٌ أن تصيبهما هشاشةُ كما في عظام أحلامي
ولكنني سأبقى واقفة وما أزال ...
واقفة .. إلى المالانهاية
واقفة بامتنان لقدميّ
بامتنان مدينة أوشكت على الانهيار
وفي اللحظة ما قبل الأخيرة ..
انتشلها الحلم من جوف العالم إلى الفضاء
بامتنان قرش في البحار
بامتنان عصفور علمته أمه قبل أن يكبر .. الطيران
بامتنان جسد حملته قدماه
ليبقى واقفا ..
وما يزال ....

الثلاثاء، 15 مارس 2016

شموع





بالأمسِ وقفتُ أٌصلي صلاة الغائب !
على رجٌلِ احتضرت بين يديه حلاوةٌ الأيام
أشعلتٌ شموعا كنا نستضيءٌ بها في ليالي الحٌب المعتمة
أنا وأنت والشموعٌ والأقداح على طاولة المساء
نضحك,  نٌثرثر,  نشرب كأسنا الأول
نقطع الوعود بأن نفنى ولا يفنى الغرام
نوثق اللحظات قبل أن تعبر
نلتقط لها صورة تذكارية في دهاليز الذاكرة
نثقٌ بالموعد الأول !
يصحب ورائه مئاتٌ المواعيد
في كل موعد أنا وأنت والشموع والأقداح
توهمتني أحب الشموع !
ربما لأنني التقيتكما معا ...
لأنها الشاهد الوحيد على ميثاق غرامنا المٌحتضر
لأنها سترت عتمتنا بضيائها
كانت الأنثى الثانية لرجل يتفنن في انتقاء الشموع
تشتعل فوق المأدبة اشتعالٌ أنثى مقابل رجل
تنصهرٌ على الشمعدان
كانصهارِ أٌنثى من شدة الاشتعال
بعد الثانية عشر من منتصف الليل , تنصهر !
بعد الموعد الأخير ..
تنصهر بعد أن تلقي كلمتك الأخيرة
تتفوه بـ " أٌحبكِ " لآخر مرة
تدفع الكرسي إلى الوراء
تلتفت, تخرج من المطعم..
لا تكترث بانصهارها
تتركها تنصهر, مخلفة ورائها رائحةُ احتراقها
آثارٌ ذوبانها ..
على مأدبة رجل تفنن في حرقها , كما في انتقائها
أشعل الشموع ذاتها !
لأسير بين الناس وراء جثمانك
لأتلقى العزاء بفارسي الراحل
أدفنك , وأدفن معك انصهاري من بعدك ..
ولعي بكبريائك
ذوباني فوق مأدبتك ذات ليلة
لا أواكب من أجلك مراسم العزاء
أجلس على طاولة كانت لنا
 وحدي !
أٌلقي نظرة على قائمة الأطباق
دون أن ألقي نظرة على الكرسي الفارغ منك أمامي
أطلب بدلا من القهوة كأسا من النسيان
وكطبق حلوى كثيرا من الهجر
...........
لا ألبث أنتبه للكرسي الفارغ
للكلمات التي لم تٌقال
لأبيات الشعر المهدورة أيام حبنا تلك
للنقاشات التي كنا نقودها دوما في اتجاه الحٌب
لا تٌهمنا السياسة , لا يهمنا الأدب
يوم كان الحب نقاشنا الوحيد المشترك !
للعشاق الذين يسابقوننا على الطاولة
للنادل الذي يسألني مرارا عنك
أدفع الكٌرسي إلى الوراء .. ألتفت, أخرج من المطعم
كنت قد أشعلت شمعةَ على روحك
هذه المرة تركتها تنصهر وحدها
أو ربما ذكراك معها ..

الأحد، 13 مارس 2016

خذيني سجادة لمحرابك !




خذيني سجادة لمحرابك !






أمي..
 يا فصل الربيع الأخير ...
يا كل القلوب الندية
أغنية سلام هادئة في كوكب لم يعي من الدنيا سوى الحروب
حقل قمح في موسم الحصاد
غابات نخيل لا يعطب بها الثمر
قبيلة توارثت الحنان منذ القدم
سماء صافية ..
نجوم لامعة ..
فرحةُ الشهر ليلة اكتمال القمر
أمي ..
الميلادُ والضياء
الأعيادُ التي تحمل في كنفها الكثير من الهدايا والحلوى
الأعيادُ التي لا تنقطع ..
لا تأتي كل سنة مرتين , بل كل يوم
كل يوم يأتي العيد
في طلتك , في بهاء وجهك
في عذوبة صوتك
في رائحة عطرك
في أطباق تعدينها
في قهوتك الصباحية ..
في مرارة دمعك على أمنيات أولادك الضائعة
في صلاة نهارك
في دعواتك حين ترتبينها حسب أحلامنا
تقبلينها , تعطرينها , تروين عطش تحققها من دمعك
ترسلينها إلى الله ..
لا تذكرين نفسك ..
لا تطالبين ببهجة عيدك ..
فلاطالما جاء العيدُ من وراء دُعائك
أمي ..
حسناتٌ عمري
لا ذنبا أرتكبه في حياتك
أخجلُ من حسناتك , حسناتُ عمري
أنى مضيتِ تسبقك حسناتك !
طيبٌ كلامك , عذوب صمتك
تتعطرُ الأرضٌ من عودك
أمي ..
هناك تفر إليك الأعمار الهاربة من الدمار
تبات تحت جنحك , في فراغات أصابعك تجد أمانها
وطنا كبيرا تحملين في صدرك ..
أرض لا تستعمر , إنها أرض مقدسة كتلك التي لا تُسخط وقد مكثها الأنبياء
جنة لا قلب هذا الذي عندك
جنة الله قد وضعها في صدور الأمهات
حيث لا تعذب الرأس التي تنام وتحلم الليل الطويل فوقها
تحلق إليك الحمامات البيضاء باحثة عن شبابيك في قلاعك الشامخة
ثمة ما يجذب الحمامات للهديل على شبابيكك
تُراها تغارُ من هديل صوتك
أو ترتشف منه هديلا آخر غير الذي تملكه
ثمة ما يجعل المياه تفر من مجاريها وتشق سلسبيلا لها في باحتك
المياه التي ترويني تتدفق من فراغات أصابعك
تحت قدميك سلسبيلُ لا ينضب
...
ترفعين يداك المثقلتين بالدعوات الصادقة
شلالاتُ من العطاء,  من أعالي السماء تنساب فوق كفوفك
تُقبل رؤوس أصابعك , تضعُ البركة فيها
ألست تباركين كل ما تمر عليه يديك وتُلامسه
لصلاتك هيبتها في محراب الأمومة , فأنت حين تصلين تستحضرين فائض حنانك
لتبكيه أمام الله , هل تقاوم السجادة دموعك !
إنها تنكمش كقطة فوق عقدة من الصوف
تطلب من الله بأن لا يحني رأس أم مثلك
ألم تسقين الحناجر الناشفة من حليب أمومتك ؟
ألم يصبح حلق الحياة رطبا حينما فاض من نهديك حليبا !
به شيء من سلسبيل الجنة  , هكذا سقيتني الإيمان منه
أمي ..
خذيني إذا انكمشت من الحزن يوما ..
سجادة لمحرابك , غطيني بتلابيب دعواتك والفائض من دموعك
باركيني بسجودك , عساي أصيرُ يوما أما بها الكثير منك .
عسا يرضا الله عني بطول عمرك
يمدد لي بأيام أقضيها معك
تحت قدميك , لا أغادرك
أنام على سريرك , أشتم عبق وسادتك
أغطي هم الليل بشعرك
هنا حيثُ أنامُ على صدرك
لا هما ألتاعُ منه , ولا شوقا لما مضى يباغتني
...
أمي ..

أمر من أمام دارك
وكأن مدن عربية تسكنك وتسكنيها أولم يقولوا بأن الأنثى مدينة هائلة الجمال !
ها أنت ذي مدن لا مدينة , بك شيء من رائحة الطيبون القدماء
عيناك قنطرة جسور ..
يداك تفوح منهما رائحة خبز التنور ..
أطعميني من خبزك إذا , أطعميني لعمري القادم
لقمة واحدة تكفي لأشبع جوع السنين !
أنا يا أماه بدونك من أكون
بلا اسم ولا عنوان
عطشى للارتواء من ينبوع قُربك , جائعة لمذاق السكر وسط مرارتي هذه
ملهوفة
ملهوفة
لأغنيات الطفولة
لقصص تسردينها
لحلم تشكلينه بين يديك
على حجم أملك
على حجم أملي
يا أمي ..
في الردهات المتعبة للحمى , يمر فوق الداء دعائك
هنا مات المرض , مات على شكل وردة وحيدة
تباركت الخلايا التي نفثت عليها
وقرأتِ بعض السور
...
 أماه , يا شجرة الزيتون المعمرة في الأراضي المسلوبة
يا سيدة عمري , وسندياني
يا وطن كل من أنهكته الغربة 
يا أحلام كل من ضلت أحلامه
ضميني
تستفيق ملئ روحي , رعشة المبيت بعيدا عن صدرك
أنا بيتي حدود صدرك
معكِ لا أخافُ الظلام
لا أختبئ من المطر
..
أمي
تفتحين عينيك كل صباح فتفوح منهما
رائحة أوراق الليمون الأخضر قبل النضوج
دفء الشتاء , بهاءُ الربيع
دغدغة الخريف للشجر
تنفسي طويلا ..
تنفسي ..
فتغمرين الهواء بأنفاسك الطاهرة
تبثين في الصحراء القاحلة
روحا خضراء نضرة
تنفسي طويلا..
تنفسي
باركي الهواء , والأرض والشجر
لا نجمة في السماء اليوم ولا قمر
فخذيني سجادة لمحرابك ..
أستعيد أمل الطفولة بجوارك
وأشاركك النبض في قرارك
باركيني بالطفولة الأبدية
فلا أتجاوز حدود دارك , طفلة تلهو تحت المطر
تكتب قصائد المديح بطول عمر الأمهات
هكذا ترضى الحياة عن الأطفال في كنف أمهاتهم
أليسوا اليتامى مغمورين بلعنات الفقد الأبدي لأم تبارك وجودهم
هل للتاريخ أن يخلد جبروت أم تشبهك
في صخب أنوثتك وكامل قوتك وحنانك
أم تعيش العائلة في رئتيها
وتبنى أمجاد الوطن في عينيها  
خذيني سجادة لمحرابك ..
عساي أمكث العُمر في انتظارك
وأشعل قناديل طفولتي وأمثل أمامك
خذيني وشاحا لبردك
حطبا تشعلينه في شتائك ...
خذيني ..
عساي أشبع برائحتك نواقص عمري
وأملئ فراغ ذاكرتي بمعصم يقيده سوارك ..
خالدة في الحياة كوني
أم مثلك لا يليق بها سوى العيش الطويل ...
والرحيل الجميل ..
هب لي جناحي حمامة
تختبئ من رصاصات العمر على شباك دارك ...
أقول لله يا أمي , خذني حتى تسألك أمي رحمتي
فمن ذا الذي يطلب لي الرحمة سواك
ومن يطهر تراب رحيلي بالدموع
ويزين جثماني بالأمنيات الضائعة , بأن يراني أكبر أكثر فأكثر ..
هيا أعيديني سجادة لمحرابك
تُصلين دوما لئلا تنكمش .